قراءة في كتاب لماذا فقد حورس عينه ( قراءة جديدة في الفكر المصري ) للدكتورة ميرفت عبد الناصر ‏ بقلم د. محمد علي مكادي ‏

0 34

بقلم د. محمد علي مكادي ‏

دكتوراه اللغة العربية
*****************
‏-‏ لقد ربطت الدكتورة ميرفت عبد الناصر في مقدمة كتابها بين عناصر ثلاث هي البعد الديني ودور ‏الاستعمار في تشكيل ثقافتنا المعاصرة والأيدولوجيات الحديثة ودورها في قراءة تاريخنا المصري ‏القديم وأثر ذلك علي حضارتنا القديمة ودورها في إرساء الفكر في أوربا الحديثة وخاصة علم ‏المعرفة أي علم المعرفة البحثي المعلوماتي و علم المعرفة الإبداعية ‏
‏-‏ لقد استخدمت الكاتبة المنهج النفسي التحليلي في قراءتها للتاريخ المصري القديم محاولة الاستفادة من ‏تخصصها في الطب النفسي التحليلي ، لذا قامت بتوثيق ما قدمته من أدلة علي صدق قراءتها للتاريخ ‏المصري القديم .‏
‏-‏ لقد اعتزت الكاتبة بمصريتها الفرعونية من خلال محاولات جادة للإسقاطات الأدبية التي تعبر عن ‏واقعنا اليومي وكأن الأمس أو الماضي هو الحاضر فإذا كان المصري القديم استطاع في بداية الخليقة ‏أن يبني الدولة المصرية ويضمن لها البقاء والاستمرار من خلال بناء الأهرامات ووضع القوانين فان ‏المصري الحديث اليوم يحاول جاهدا بناء الدولة المدنية في ثوبها الجديد ، ومن ثم جاء هذا السفر في ‏أسلوب أدبي مشوق واعتمدت الكاتبة لغة تمزج فيها بين كل لغات أطياف الشعب المصري الفصحى ‏السهلة البسيطة وكذلك نتفا من العامية.‏
‏- 1 – في الفصل الخاص بفلسفة المكان عقدت الكاتبة مقارنة بين هملت وحورس وان كلاهما تشكك في ‏كيفية انجاز الإرث الثقيل الذي تركه له والده فأوزوريس ترك لحورس معركته مع ست إله الشر ووالد هملت ‏ترك له أخذ الثأر فأصبح الشك البطولي عند كلاهما فهاملت تحير كثيرا في انجاز الفعل بينما حورس دخل ‏إلي دائرة الانتقام المباشر عن طريق المعركة ففقد عينه في المعركة ولولا بتحوت لما عادت إليه، وهي هنا ‏لم تحاول جاهدة إثبات تفوق الأسطورة المصرية علي هاملت ولم تحاول أن تبين لنا كيف وصلت تلك الفكرة ‏إلي وليم شكسبير الأديب الانجليزي؛ لكنها قدمت في الكتاب شيئا مهما وهو إنها عندما أدارت حوارا مع أحد ‏الأطفال الانجليز قال لها: أود أن أدرس التاريخ الفرعوني وأتخصص فيه، فهذا عقدة الأوربي (الحضارة ‏المصرية القديمة) منذ الأزل حتي يومنا هذا، كما أن عقد المصري بعامة والمثقفين بخاصة غواية الثقافة ‏الأجنبية وخاصة الانجليزية، فالكاتبة لديها غواية بالثقافة الانجليزية، وتري أنها متفوقة علي الثقافة المصرية ‏الحديثة؛ ولكن الثقافة الغربية تدين لمصر الفرعونية كنت أود أن تربط الكاتبة بين الكتابات المصرية ‏المعاصرة التي استلهمت الحضارة المصرية القديمة ومن هنا يمكن أن نقرأ المصريين من جديد، ولقد لعب ‏التراث الفرعوني دورا رائعا في صناعة الأدب المصري الحديث بجميع مجالاته الشعر والنثر وأجناسه ‏الأخرى.‏
‏-2 – لقد حاولت الكاتبة في الفصل الخاص باختراع الوطن وتمصير الوجود أن تتحدث عن تنشئة الوطن ‏في فكر المصري القديم وأنه كان يبحث عن الخلود والاستمرار، وأن فكرة الخير والشر التي كانت منفصلة ‏أصبحت ثنائية وأصبح النظام في مصر هو الاعتدال والتعايش مع المتناقضات ولذا اخترعت الدولة من أجل ‏البقاء وهي مقابل فكرة العدم؛ لأن الإنسان أصبح لدية أسئلة، وهي لماذا خلقنا؟ ومن أي شيء خلقنا ؟ وماذا ‏بعد الموت ؟ كما أن فكرة الوطن أدت إلي فكرة الحاكم من قبل السماء ووظيفته الأولي هي الحفاظ علي ‏الوطن لذا فهو مأمور من قبل السماء بل هو الواسطة بين الإله والمحكومين في الأرض بل هو ابن السماء، ‏كما أن لقب فرعون استخدم متأخرا في تاريخ الدولة الفرعونية وهو يعني البيت الكبير
‏-3- وفي الفصل الخاص بفلسفة المكان المصري بين الغربة والاغتراب تتحدث الكاتبة عن سنوحي ‏المصري القديم ورمزيته في الاغتراب ، وهل كان سنوحي حقيقة أم خيال، وهو يحمل الكثير من الإسقاطات ‏السياسية والتاريخية ؛ بل هو جزء من الصراع السياسي الأتوني الأموني إن لم يصبح التاريخ المصري القديم ‏برمته ، فالتاريخ المصري القديم مر بثلاث مراحل هي الدولة القديمة وفيها كان الإنجاز معماريا ، وفي ‏الدولة الوسطي كان الإنجاز أدبيا سنوحي وشكاوي الفلاح الفصيح وديالوج شخص مع روحه ، وهي كتبت ‏لتعبر عن الحالة النفسية المجتمعية المعقدة التي ارتقت إليها الدولة الوسطي، وفي الدولة الحديثة كان الإنتاج ‏تصوريا ؛ أي في البداية( الدولة القديمة ) كان الأمر متعلقا بالاستقرار والتفاؤل والاستمرار لذا جاء الإنجاز ‏في صورة معمارية ، هي الأهرامات؛ ولكن سرعان ما تعقدت الحياة المصرية( الدولة الوسطى) وأصبح ‏الصراع علي كرسي الحكم حتى وصل الأمر لاغتيال الملك في قصة سنوحي ؛ بل اشتد الأمر تعقيدا عندما ‏امتلك الفلاح البسيط أدوات الحكمة بل وصل الأمر الي مداه الأخير في الحوار بين شخص وروحه في العالم ‏الأخر وهنا أدرك المصري أنه المسئول عن التغيير وتحقيق العدالة وفي الدولة الحديثة كان الإنتاج تصويريا ‏مجردا ؛ أي أن الصورة متروكة للمتلقي لكي يفسر قواعدها هو بنفسه ، والكاتبة هنا تحاول أن تسقط التاريخ ‏القديم علي مصر الحديثة كما أنها تتقمص شخصية سنوحي من خلال الاغتراب المكاني فقط وعلي الرغم من ‏أن الكاتبة حاولت ان تقيم بيئة مشابهة للبيئة المصرية من خلال بيتها في لندن المليء بالفرعونيات إلا أنها ‏تشعر بالغربة المكانية التي لا تنفصل عن الغربة النفسية كما أنها تحاول البحث عن سنوحي خارج التاريخ ‏المصري ، وهل كان حقيقة ام خيالا ؟ ولماذا هرب من مصر ؟ وما علاقته بموت الملك ؟ ولماذا يحيا ‏بالعودة فقط ويحلم بها؟ وما الخصوصية التي تربط بين مكانية الميلاد والوفاة ؟ وسنوحي سيعبر عن عالم ‏الوجود ، وهنا يحسن بنا أن نقرأ القصة في الفكر الوجودي المتمثل في أنه عندما رأي غياب الرب أو الملك ‏عن الملك أخذ في البحث عن المكان الآخر وهو المنفي الذي يحقق من خلاله نوعا من الهارمونية التي ‏يفرضها العقل علي الفوضي الأرضية الناشئة عن غياب السلطة العليا أملا في أن يعيد الإنسان نفسه للوجود ‏مرة أخري لكن لماذا ربطت الكاتبة بين دانتي وسنوحي ؟؟؟؟؟؟؟؟ وكان الأحرى بها أن تربط بين سنوحي ‏وأقرانه من الأدباء المصريين والمغتربين ؟؟؟ إن الكاتبة هنا تتقمص شخصية سنوحي فهي تغترب عن ‏الوطن في حين إنها تود العودة اليه بل إنها تحيا فقط بالعودة الروحية والصراع هنا عند سنوحي/ الكاتبة ‏صراع الهوية والوجود الأزلي ، بل صراع وجود الدولة المصرية منذ القدم . ‏4- وفي الفصل الخاص بفلسفة الوجود والعدم يحمد للكاتبة أنها ربطت بين الفنان عبدالهادي الجزار في ‏لوحته المشهورة المجنون الأخضر ، وهنا نقرأ السيرة الذاتية للكاتبة علي الرغم من تحليلها النفسي للفكر ‏الفرويدي وان الكا والبا هما في الأصل مصطلحات مصرية إلا أنها تكتب سيرتها الذاتية وصراعها مع ‏الهوية والآخر الأوربي الغربي الذي يتغني ويتعالي علي المصري المعاصر ؛ لذا نراها تصل إلي قاعدة وهي ‏أن الطيور المهاجرة تعود يوما إلي موطنها وإن طالت غربتها.‏
‏-5 – ففي فلسفة الضحك والبكاء تتكلم عن الإله رع وانفصاله عن جب وأن السماء انفصلت عن الأرض ‏كما ربطت بين جاهين وأسطورة الإله رع وايكو في الوردة وخلصت إلي أن الضحك يحرر الإنسان من ‏الخوف ويجعل من المستحيل ممكنا وهو يعطي الإنسان حريته ويمكنه من البحث في كل البدائل الممكنة.‏
‏-6 – وفي الفصل الخاص بفلسفة الإله ماعت وهي الثقة التي وضعتها السماء في الإنسان وهي ربة العدل ‏نجد الكاتبة /ماعت كما أنها تري أن ماعت العدل والعدالة فالكاتبة /ماعت /مصر بإمكانها أن تتغير من ‏الداخل تغييرا جوهريا طبقا لأسلوب الحياة الذي تحياه لأن ماعت أسلوب الحياة الذي يحمل الكثير من ‏الايجابية العدل والعدالة والانسجام والتناسق والاستقامة والحقيقة فمصر الآن تحلم بماعت / كما تحلم بها ‏الكاتبة وتري ان البرجماتية المصرية القديمة وسطية لأنها بنيت علي الاعتدالية وتدرك أن الإنسان يجيا حياة ‏محترمة يحترم إنسانيته ويعرف قدراته المحدودة لذا أصبحنا اليوم في أشد الحاجة إليك يا ماعت .‏
‏-7- ولقد كتبت الكاتبة فصلا رائعا عن سيرتها الذاتية فلسفة الطب والتطبب وفي فصل فلسفة التعقل وماهية ‏العقل، بل استطاعت الكاتبة أن تدرك أن المصري القديم أدرك أن المخ له دور في صناعة اللغة وإدراكها ‏والتعرف عليها كماأنه هو أول من أدرك قيمة المخ وظل المصري جائرا بين القلب والمخ حتي حسم أمره ‏في ذلك وانحاز الي أن القلب هو العقل لذا أصبح مركز الحكمة والمسئول عن تصرفاته وقراراته لذا كان من ‏الضروري أن يوضع القلب في كفة وماعت في كفة وعلي الرغم من التطور الأفلاطوني وفصل العقل عن ‏القلب إلا أن المصري القديم كان علي حق في ذلك لقدا ثبت العلم الحديث أن العقل مركزه في القلب وليس ‏في المخ .‏
‏-8- أما في الفصل الخاص عن اللغة تقدم الكاتبة فصلا جديدا من سيرتها الذاتية وتبين مدي أهمية اللغة ‏وانها كانت في صورة طيور لان الطيور هي التي لها القدرة علي التحليق بين السماء والارض وهو تفسير ‏جيد لان اللغة الهيروغلفية كانت تصورية.‏
‏-9- وفي الفصل الخاص بالمعرفة تحاول الكاتبة أن تبين ان المصري القديم قد سبق العالم في ذلك وهي ‏البحث المعلوماتي ومنها تتحقق المعرفة والمعرفة الإبداعية وإن فرويد ويونج قد تتلمذا علي الفكر المصري ‏القديم .‏
ثم في النهاية يمكن لنا البكاء علي الصقر العجوز ونستطيع أن نقول إن الكتاب هو سيرة ذاتية للكاتبة مرفت ‏عبد الناصر موسى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.